صديق الحسيني القنوجي البخاري

85

فتح البيان في مقاصد القرآن

القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب ، فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى ، وبفحوى الخطاب قيل : وهذه عامة في كل كافر يتوب ، ومؤمن عاص يتوب ، فتمحو توبته ذنبه ، والمراد منها التنبيه على أنه لا ينبغي للعاصي أن يظن أنه لا مخلص له من العذاب ، فإن من اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة اللّه تعالى إذ لا أحد من العصاة إلا وأنه متى تاب زال عقابه ، وصار من أهل المغفرة والرحمة والحق أن الآية غير مقيدة بالتوبة بل هي على إطلاقها . ولما نهاهم عن القنوط أخبرهم بما يدفع ذلك ويرفعه ، ويجعل الرجاء مكان القنوط ، وجاء بما لا يبقى بعده شك ، ولا يتخالج القلب عند سماعه ظن ، فقال : إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ فالألف واللام قد صيرت الجمع الذي دخلت عليه للجنس ، الذي يستلزم استغراق أفراده فهو في قوة إن اللّه يغفر كل ذنب كائنا ما كان ، إلا ما أخرجه النص القرآني ، وهو الشرك ، ثم لم يكتف بما أخبر عباده به من مغفرة كل ذنب ، بل أكد ذلك بقوله : جَمِيعاً فيا لها من بشارة ترتاح لها قلوب المؤمنين المحسنين ظنهم بربهم ، الصادقين في رجائه الخالعين لثياب القنوط الرافضين لسوى الظن بمن لا يتعاظمه ذنب ، ولا يبخل بمغفرته ورحمته على عباده ، المتوجهين إليه في طلب العفو ، المتلجئين به في مغفرة ذنوبهم ، وما أحسن ما علل به سبحانه هذا الكلام قائلا : إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ أي كثير المغفرة والرحمة عظيمهما بليغهما واسعهما فأبرز الجملة مؤكدة بأن والفصل ، وبإعادة الصفتين اللتين تضمنتهما الآية السابقة ، فمن أبى هذا التفضل العظيم ، والعطاء الجسيم ، وظن أن تقنيط عباد اللّه وتأييسهم من رحمته أولى بهم مما بشرهم اللّه به فقد ركب أعظم الشطط وغلط أقبح الغلط ، فإن التبشير وعدم التقنيط هو الذي جاءت به مواعيد اللّه في كتابه العزيز والمسلك الذي سلكه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كما صح عنه من قوله : « يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ، ولا تنفروا » « 1 » . وإذا تقرر لك هذا فاعلم أن الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] هو أن كل ذنب كائنا ما كان ما عدا الشرك باللّه مغفور لمن شاء اللّه أن يغفر له ، على أنه يمكن أن يقال إن إخباره لنا بأنه يغفر الذنوب جميعا يدل على أنه يشاء غفرانهما جميعا ، وذلك يستلزم أنه يشاء المغفرة لكل المذنبين من المسلمين فلم يبق بين الآيتين تعارض من هذه الحيثية . وأما ما يزعمه جماعة من المفسرين من تقييد هذه الآية بالتوبة وأنها لا تغفر إلا

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في العلم باب 11 ، والمغازي باب 60 ، والأدب باب 80 ، ومسلم في الجهاد حديث 4 ، وأبو داود في الأدب باب 17 ، وأحمد في المسند 1 / 239 ، 283 ، 365 ، 3 / 131 ، 209 ، 4 / 399 ، 412 ، 417 .